الانتخابات النيابية بين الغموض والتأجيل: هل يُعاد إنتاج المشهد أم تُفتح نافذة التغيير؟
لا يزال مصير الانتخابات النيابية في لبنان يلفّه الغموض، إذ لا يقتصر الانقسام القائم على تفاصيل تقنية كالتصويت الاغترابي وتقسيم الدوائر الانتخابية، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال جوهري: هل يسمح القانون الحالي بإنتاج أكثرية نيابية جديدة تعكس التحولات التي شهدها لبنان أخيراً؟ أم أنه سيعيد تكريس التوازنات نفسها ولو بأسماء مختلفة؟
في هذا السياق، يبرز اتجاه متنامٍ لترجيح خيار التأجيل لمدة أقصاها سنتان، من دون اعتباره تعطيلًا للديمقراطية، بل محاولة لإعادة صياغة شروط المنافسة الانتخابية بما ينسجم مع التحولات السياسية الكبرى في البلاد.
وتتساءل عواصم معنية بالملف اللبناني، وفق ما يتردد في الأوساط الدبلوماسية، عن جدوى إجراء انتخابات وفق القانون الحالي إذا كانت نتائجها لن تعكس تلك التحولات. وتشير الحسابات إلى أن البنية الانتخابية القائمة، بما تتضمنه من تحالفات ظرفية ونظام نسبي محكوم بسقوف طائفية، قد تؤدي إلى إعادة إنتاج المشهد نفسه، لا سيما بالنسبة للثنائي الشيعي. وعندها يصبح الاستحقاق مجرد إعادة تدوير للتركيبة الحالية، من دون فتح الباب أمام أكثرية متجانسة قادرة على مواكبة مسار الإصلاح والإنقاذ واستعادة دور الدولة.
من هذا المنطلق، يُطرح التأجيل كخيار سياسي لا تقني. فهو يمنح فسحة زمنية لإقرار تعديلات جوهرية على قانون الانتخاب، وربما إعادة النظر في توزيع الدوائر أو آلية احتساب الأصوات بما يعزز التمثيل العابر للطوائف ويحدّ من قدرة القوى التقليدية على التحكم بمفاصل اللعبة. كما يتيح للقوى الصاعدة فرصة تنظيم صفوفها وبناء تحالفات أكثر تماسكاً، بدل خوض معركة مبكرة في ظل قواعد قديمة وتوجهات متنافرة، كما حصل مع مجموعات التغييريين عقب انتخابات 2022.
في المحصلة، لا يكمن الرهان الحقيقي في موعد الانتخابات فحسب، بل في مضمونها ونتائجها. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل قدرة النظام على إنتاج سلطة تعكس الإرادة العامة وتتمكن من تنفيذ برنامج واضح.
وتوحي مؤشرات سياسية ودبلوماسية بأن احتمال التأجيل لسنتين يتقدم، بانتظار نضوج ظروف تضمن أن يكون الاستحقاق المقبل محطة تأسيسية فعلية للمرحلة الجديدة في إعادة بناء دولة القانون والمؤسسات، واستعادة الثقة الداخلية والخارجية، لا مجرد محطة عابرة في مسار المراوحة العاجز عن إخراج البلاد من دوامة الأزمات المتناسلة