انهيارات طرابلس الكارثية تتفاعل وإخلاء بلا بدائل لائقة
استفاقت مدينة طرابلس فجأة لتجد مبانيها تتساقط واحدًا تلو الآخر، كأنها مشيدة من ورق، مشهد يذكّر بالأفلام السوريالية. الأهالي، من شدة استغرابهم، تحدثوا عن تدبير غامض، وسماعهم أصواتًا بعيدة أو ارتجاجات قد تكون نتيجة حفر أنفاق لمخربين في باطن الأرض. هناك من يدعو للبنان النجاة، ولطرابلس الرحمة من سيناريو قادم يتم التحضير له بأيدٍ مجهولة.
رئيس البلدية، عبد الحميد كريمة، لم يستبعد وجود عنصر لم يُكشف بعد. المهندس الجيولوجي سمير زعاطيطي دعا إلى فحص هندسي للأعمدة السفلية، فهو الوحيد القادر على تأكيد أو نفي وجود تدخل بشري، مستفيدًا من طبيعة الأرض الرخوة تحت المباني.
خلال أسبوعين فقط، انهارت أربع عمارات على دفعتين، في كل مرة مبنيان متلاصقان يسقطان كأنما سُحبت من تحتهما الأعمدة، متسببةً في مقتل أكثر من 18 شخصًا، إضافة إلى الجرحى. الأهالي أُجبروا على مغادرة منازلهم بالقوة، إذ رفض البعض أن يصبح مشردًا في بلده.
الكوارث في طرابلس لا يمكن فصلها عن المكائد السياسية والتوظيفات الانتخابية، إذ يسهل إفقار الناس وتحويل أصواتهم إلى أدوات شراء سياسية. غياب النواب وتقاعس وزراء طرابلس عن أداء واجباتهم، في أيام الرخاء والشح، يعكس سوء النية وفق وصف الأهالي.
خبير في البنك الدولي نصح المسؤولين اللبنانيين في وقت سابق بالاستثمار في طرابلس العتيقة، لما تحتويه من آثار مملوكية وأسواق وخانات ومساجد وحمامات وقلعة صليبية، وحرفيين بمستوى عالمي، إضافة إلى موقعها الطبيعي المميز قرب النهر والبحر. إلا أن ما حصل هو العكس تمامًا، إذ وصلت أحياء طرابلس الشعبية إلى طريق مسدود بسبب سكوت البلديات على المخالفات، الأبنية غير المطابقة للمواصفات، إهمال المالكين، وجهل المستأجرين بشروط السلامة، وتربة المنطقة التي تمتص المياه وتترك فراغات تحت الأعمدة، مما يؤدي إلى انهيار مفاجئ.
أي نكبة، وأي توقيت هذا الذي أعلن فيه عن انتهاء خدمة عمارات بنيت في خمسينات وستينات القرن الماضي، فيما معالم أثرية ملاصقة لا تهتز؟ الكارثة كشفت الحاجة إلى وعي الأهالي بأهمية صيانة مبانيهم، وإدراك الحكومة بأنها لا تستطيع تجاهل مواطنيها.
ليلة الثلاثاء–الأربعاء، اضطر سكان مبنى كبّارة المهدّد بالسقوط في محلّة القبة للجلوس على الأرض إثر إخراجهم من منازلهم، حيث رفض البعض الخروج بسبب عدم كفاية البدائل المقدمة للإيواء، مثل المعهد الفندقي الذي يتسع لأربعين عائلة فقط، وفندق «الكواليتي إن» غير صالح للسكن. المبلغ المقرر لكل عائلة هو ألف دولار لثلاثة أشهر، وهو غير كافٍ لتغطية مصاريف الإيجار أو حياة كريمة.
الملف ليس جديدًا، فهناك دراسات سابقة تشير إلى وجود 114 مبنى بحاجة إلى الإخلاء السريع، وما بين 600 إلى ألف مبنى يحتاج إلى ترميم، فيما أشارت دراسات أخرى إلى نحو 4000 مبنى بحاجة لتأهيل. الحراك الطرابلسي، بمشاركة فاعليات دينية ومحلية، أجبر الحكومة على وعود وترجمة قرارات عاجلة، إلا أن الأهالي يرون أن الحلول ليست جذرية وتتطلب ميزانية ضخمة لإعادة الإعمار والتأهيل.
المهندسون الخبراء يربطون تداعي الأبنية بعدة عوامل: تجاوزات في البناء وغياب الرقابة الهندسية، مخالفات البناء وإضافة طوابق بغطاء سياسي، آثار الحروب والمعارك التي أصابت المدينة، إهمال المالكين أعمال الصيانة والترميم، والهزات الأرضية الخفيفة التي قد تسهم في التصدع.
يبقى الحل الجذري مرتبطًا بإقرار مشروع متكامل لإعادة إعمار طرابلس، مع ميزانية كافية لهدم الأبنية غير الآمنة، وإعادة بنائها، وتأهيل الأبنية الأخرى، بالإضافة إلى مسح هندسي شامل، وتحديد المسؤوليات التي أدت إلى انهيار بعض الأبنية وتصدع أخرى.