فضيحة تهزّ الجامعات الأميركية… ملفات إبستين تكشف نفوذًا يتجاوز التبرعات
تتسع دائرة تداعيات “ملفات جيفري إبستين” داخل الأوساط الأكاديمية الأميركية، بعد الكشف عن ملايين الصفحات من وثائق وزارة العدل الأميركية التي تتضمن مراسلات وصورًا ومستندات مالية تمتد لأكثر من عقد، وتظهر عمق علاقات المموّل المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين، بكبرى الجامعات ومراكز البحث العلمي، وفي مقدّمها Harvard University، إلى جانب Columbia University وYale University وDuke University وUniversity of Arizona وغيرها.
في أحدث التطورات، أكدت هارفرد أنها ستوسّع نطاق التحقيق الداخلي في علاقاتها بإبستين ليشمل كبار المانحين الذين وردت أسماؤهم في الوثائق الفيدرالية الجديدة، بعدما كان التحقيق في السابق مقتصرًا على الأساتذة والإداريين.
وقال المتحدث باسم الجامعة جيسون نيوتن إن المراجعة ستطال المانحين البارزين الذين كشفتهم الوثائق الصادرة عن وزارة العدل الأميركية، مشيرًا أيضًا إلى مراجعة أسماء أساتذة تبادلوا مراسلات مع إبستين.
الوثائق الجديدة تحدثت عن ارتباطات مع رجال أعمال ومحسنين معروفين في أروقة هارفرد، من بينهم أندرو إل. فاركاس، ليزلي إتش. ويكسنر، وجيرالد إل. تشان، إضافة إلى مراسلات مع أساتذة بارزين مثل ليزا راندال، جورج إم. تشيرش، وأندرو سترومينغر.
وتكشف الوثائق أن علاقة إبستين بالجامعات لم تقتصر على الحضور الاجتماعي، بل شملت تمويلًا مباشرًا وغير مباشر لمراكز بحثية، وبناء شبكات مع مانحين كبار.
فقد أظهرت الملفات أن فاركاس نسّق تبرعات بقيمة لا تقل عن 375 ألف دولار لمعهد “هاستي بودينغ” بين عامي 2013 و2019، كما وصفت الوثائق علاقته بإبستين بأنها “متغلغلة”، شملت إجازات مشتركة وتبادل آلاف الرسائل.
أما ويكسنر، الذي قدّم أكثر من 42 مليون دولار لكلية كينيدي في هارفرد، فقد أشارت مذكرة داخلية لوزارة العدل تعود إلى آب 2019 إلى اعتباره “شريكًا محتملاً في الجريمة”، رغم نفيه العلم بجرائم إبستين.
كما أظهرت الوثائق أن تشان دخل في محادثات أولية مع إبستين لاستكشاف إمكانية إنشاء فرع لجامعة تسينغهوا الصينية في بوسطن، قبل أن يتعثر المشروع.
الوثائق كشفت أيضًا مراسلات واسعة بين إبستين والرئيس السابق لهارفرد ووزير الخزانة الأميركي الأسبق لورانس سامرز، شملت مئات الرسائل التي تناولت السياسة والاقتصاد وقضايا شخصية. وبعد انكشاف العلاقة، أخذ سامرز إجازة من التدريس وتراجع عن التزامات عامة، واعتبر استمرار علاقته بإبستين “خطأ كبيرًا في الحكم”.
كما وردت أسماء أكاديميين آخرين، من بينهم عالم الفلك لورانس كراوس، واللغوي نعوم تشومسكي، إلى جانب تقارير عن برنامج “ديناميكيات التطور” الذي أسسه مارتن نواك في هارفرد بتمويل قدره 6.5 مليون دولار من إبستين. وأُغلق البرنامج عام 2021 قبل رفع العقوبات عن نواك عام 2023.
في كولومبيا، أعلنت الجامعة أنها اكتشفت قبولًا سابقًا في كلية طب الأسنان جرى عبر “عملية غير منتظمة” تزامنت مع اتصالات جمع تبرعات مرتبطة بإبستين، مؤكدة أنها ستتبرع بمبالغ تعادل ما تلقته من جهات مرتبطة به لصالح منظمات تدعم ضحايا الاعتداء الجنسي والاتجار بالبشر.
أما في ييل، فقد مُنع أستاذ علوم الحاسوب ديفيد غيلرنتر مؤقتًا من التدريس إلى حين انتهاء مراجعة علاقاته بإبستين، بعد ظهور مراسلات مثيرة للجدل ضمن الوثائق.
وفي جامعات أخرى مثل ديوك وأريزونا وكاليفورنيا، تنوعت الإجراءات بين إغلاق مراكز بحثية، إلغاء فعاليات علمية، مراجعات قانونية مستقلة، وحذف أسماء من قوائم رسمية.
تطرح هذه التطورات سؤالًا يتجاوز شخص إبستين: كيف يمكن لممول مدان أن يفتح أبواب الجامعات الكبرى، ويؤثر في مسارات البحث العلمي، ويستخدم التمويل لبناء شبكة نفوذ داخل مؤسسات يفترض أنها حارسة النزاهة الأكاديمية؟
تقارير علمية أشارت إلى أن إبستين لم يكن مجرد ممول، بل سعى إلى التأثير في مجالات مثل “الأساس الجيني للسلوك البشري” وعلوم الرياضيات الحيوية، عبر تمويل برامج بحثية وبناء علاقات وثيقة مع علماء بارزين.
ومع استمرار تسريب الوثائق، تبدو الجامعات الأميركية أمام مرحلة إعادة تقييم شاملة لعلاقاتها بالمانحين وآليات القبول والتمويل، في محاولة لحماية استقلالية البحث العلمي ومنع توظيف المال لتبييض السمعة أو شراء النفوذ.
ورغم أن إبستين أنهى حياته في زنزانة فيدرالية عام 2019 قبل محاكمته في قضايا الاتجار الجنسي بالأطفال، فإن تداعيات علاقاته داخل الجامعات لم تنته بعد، في ظل ظهور أسماء جديدة مع كل دفعة من الوثائق.