الأخبار: «تقدّم مهمّ» في مفاوضات جنيف | أميركا – إيران: الدبلوماسية تفرمل الحرب
كتبت صحيفة “الأخبار”: بين «تقدّم مهم» يتحدّث عنه الوسيط العُماني وخلافات عميقة لم تُحسم بعد، انتهت جولة جنيف الثالثة بلا اتفاق ولا انهيار، فيما يتقاطع المسار الدبلوماسي مع استمرار التهديدات والاستعدادات العسكرية.
انتهت الجولة الثالثة المطوّلة من المفاوضات الإيرانية – الأميركية في جنيف، مساء أمس، من دون التوصل إلى اتفاق، إنما من دون انهيار المسار الدبلوماسي أيضاً.
إذ تحدّث الوسيط العُماني عن «تقدّم مهم» جرى تحقيقه خلالها، معلناً نية استئنافها قريباً بعد تشاور الوفدَين مع عاصمتيهما، واعتزام عقد محادثات فنية في فيينا الأسبوع المقبل. وبدا ذلك متعارضاً مع أنباء استمرار الخلافات العميقة بين الطرفين حول شروط الاتفاق، وتواصل تدفّق الحشود العسكرية إلى المنطقة.
وكتب وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، على منصة «إكس»، في نهاية الجولة التي عُقدت على مرحلتَين: صباحية ومسائية، فصلت بينهما ثلاث ساعات استراحة وتشاور مع عاصمتَي الوفدين: «أننا أنهينا اليوم بعد تقدّم مهم في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وسوف نستأنف المحادثات قريباً بعد مشاورات في عاصمتي البلدين. وستُعقد محادثات على المستوى الفني في فيينا الأسبوع المقبل».
وشكّل مشروعُ الاتفاقِ المقترَح من الجانب الإيراني محورَ النقاشات بين الوفدين: الإيراني برئاسة وزير الخارجية، عباس عراقجي، والأميركي برئاسة المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة، ستيف ويتكوف، وبحضور البوسعيدي.
كما أن المدير العام لـ»الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، رافائيل غروسي، شارك، على غرار ما شهدته الجولة الثانية، في الاجتماعات، وأسهم في مناقشة الجوانب الفنية المتعلّقة بالبرنامج النووي الإيراني.
وفيما نقلت شبكة «سي إن إن» الأميركية عن مصدر مطّلع قوله إن عراقجي وويتكوف عقدا «محادثات مباشرة»، إلا أنه لم يعطِ تفاصيل عن مدة اللقاء أو عن ما دار خلاله، وصف مسؤول أميركي جولة محادثات جنيف بأنها «كانت إيجابية»، مضيفاً، كما نقلت عنه وسائل إعلام، أن «ثمة تفاصيل جرى توضيحها في المرحلة الثانية من الجولة.
وتقضي الخطة الآن بعقد جولة جديدة من المفاوضات الأربعاء المقبل، على المستوى الفني في فيينا، من دون ويتكوف وجاريد كوشنير وعراقجي. نواصل العمل لإنتاج اتفاق».
ومن جهته، أكد عراقجي، للتلفزيون الإيراني، أن «الجولة الثالثة كانت من أفضل جولات المفاوضات.
فقد أحرزنا تقدماً جيداً في ما يتعلق بالملف النووي ورفع العقوبات. وهناك اتفاق على بعض النقاط وخلافات أيضاً»، مضيفاً «أننا على وشك التوصل إلى اتفاق بشأن بعض القضايا، والجدية من كلا الجانبين واضحة».
وأشار إلى أن «إيران عبرت بوضوح عن مطلبها بشأن رفع العقوبات وعملية تخفيفها». كما أعلن أن «الجولة المقبلة من المفاوضات مع واشنطن ستعقد بعد أسبوع. ولدينا مناقشات فنية في فيينا الإثنين المقبل مع خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية».
وكان وصف مسؤولون إيرانيون المبادرة التي قدّمتها طهران خلال الجولة الثالثة بأنها «خلّاقة وبنّاءة»، في حين أفادت مصادر مطّلعة بأن المقترح الإيراني «يتضمّن فرض قيود على البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات الأميركية، وذلك ضمن إطار زمني محدّد وعلى مراحل متدرّجة».
وأضافت المصادر أن «إيران، مع رفضها مبدأ التصفير الدائم لتخصيب اليورانيوم وتفكيك المنشآت المرتبطة به، أبدت استعدادها لتعليق التخصيب لمدة زمنية معيّنة، في خطوة تهدف إلى بناء الثقة وتبديد المخاوف بشأن توجّه إيران نحو امتلاك سلاح نووي».
وبحسب المقترح الإيراني، فإن طهران تحتفظ، بعد انقضاء تلك المدة، بحق استئناف تخصيب اليورانيوم بنسبة تقلّ عن 3.67 في المئة ولأغراض غير عسكرية ومحدودة، من بينها الاستخدامات الطبية، وذلك تحت إشراف كامل من جانب «الوكالة الدولية للطاقة الذرية».
وقبيل الهجوم الأميركي على منشآتها النووية في حزيران الماضي، كانت إيران تخصّب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 في المئة، وهو ما أثار مخاوف غربية بسبب قربه من نسبة 90 في المئة اللازمة لصنع سلاح نووي.
وبحسب المصادر نفسها، فإن إيران اقترحت، في إطار مسار تدريجي، وبالتوازي مع رفع العقوبات، تخفيف نقاء اليورانيوم العالي التخصیب المخزّن لدیها (الذي يقدر بنحو 400 كيلوغرام) تحت رقابة الوكالة، ونقل جزء منه إلى خارج البلاد.
كما أبدت استعدادها للدخول في تعاون مشترك مع الولايات المتحدة في مجالات النفط والغاز والمعادن.
وعلى وقع الكشف عن المقترح الذي تقدّمت به طهران، أكّد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أمس، أن موقف بلاده من السلاح النووي قائم على أساس «عقائدي وفقهي، لا على تكتيك سياسي قابل للتبديل»، في حين اعتبر الأمين العام لـ»مجلس الدفاع الإيراني»، علي شمخاني، أنه «إذا كان الهدف الرئيس منع بلاده من امتلاك أسلحة نووية، فإن ذلك يتوافق مع فتوى المرشد»، مشیراً إلی «إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي عاجل خلال المفاوضات بين طهران وواشنطن». وأضاف أن عراقجي «يتمتع بالدعم والصلاحيات اللازمة للتوصل إلى اتفاق».
وفي المقابل، كان المسؤولون الأميركيون قد شدّدوا، قبيل انطلاق الجولة الثالثة، على ضرورة تصفير تخصيب اليورانيوم في إيران، ونقل كامل مخزونها من اليورانيوم المخصّب إلى خارج البلاد.
وإلى أبعد من ذلك ذهب وزير الخارجية الأميركي، ومستشار الأمن القومي الأميركي، ماركو روبيو، بالقول إن «البرنامج النووي ليس الملف الوحيد المطروح، بل يجب أيضاً معالجة برنامج الصواريخ الباليستية والقدرات البحرية الإيرانية».
وأشار روبيو إلى أن «هذه الصواريخ قادرة على استهداف القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة»، معتبراً أن هذا الواقع يمثل «عقبة كبيرة» في طريق التوصل إلى اتفاق.
وجاءت هذه التصريحات – التي توحي بأن الولايات المتحدة تنظر إلى المباحثات على أنها جزء من مسار أوسع، يستهدف في مراحله اللاحقة فتح باب التفاوض حول قضايا أخرى – في وقت استمرّت فيه الاستعدادات العسكرية الأميركية في المنطقة لحرب محتملة، وتلك السياسية التي يجريها ترامب وأفراد إدارته، من دون أن تواكبها تحضيرات للرأي العام الأميركي لحرب يمكن أن تتحوّل إلى تورط طويل الأمد، وفق التقديرات التي نُقلت عن قادة الجيش الأميركي خلال الأسبوع.
ويواجه ترامب مشكلة في تبرير الحرب أمام الجمهور الأميركي، وخصوصاً أمام القاعدة الشعبية التي أوصلته إلى الرئاسة، والمتمثلة في حركة «ماغا» التي وُعدت بالتخارج من حروب تغيير الأنظمة وليس الانخراط في حروب جديدة على نمط حرب العراق، علماً أن جزءاً معتبراً من القاعدة المشار إليها صارت لديه حساسية خاصة من شنّ حروب يَعتبر أنها تُخاض نيابة عن إسرائيل، ولا تنطلق من اعتبارات المصالح الأميركية.
ومع ذلك، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الولايات المتحدة تدرس توجيه ضربات تتركز على المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، في حال انهيار المفاوضات، مشيرة إلى أن هدف الضربات سيكون إجبار طهران على تقديم تنازلات في المفاوضات. وفي حال تحقّق هذا السيناريو، يقدّر المسؤولون الإسرائيليون وقوع انتقام إيراني ضدّ إسرائيل، مع ترجيح انضمام «حزب الله» و»أنصار الله» إلى المعركة، وفق ما ذكره موقع «واينت».
ونقل الموقع عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إنه من وجهة النظر الإيرانية، سيكون إطلاق صواريخ على إسرائيل أسهل من مهاجمة أهداف أميركية.