كلام غراهام ليس زلّة ديبلوماسية… بل مسّ مباشر بالسيادة اللبنانية
الكلام الذي قاله السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، المعروف بتطرّف انحيازه لإسرائيل، بعد لقائه بقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، لم يكن مجرّد زلّة دبلوماسية عابرة، بل خطأ سيادي كامل المواصفات. لذلك قوبل هذا الموقف في لبنان باستهجان واسع، إذ لم يُقرأ كتصريح سياسي فقط، بل كمؤشر خطير على طريقة نظر بعض الدوائر الأميركية إلى بنية الدولة اللبنانية وموقع مؤسساتها.
فقائد الجيش ليس من يرسم سياسة لبنان، بل ينفّذ خطة سياسية تضعها الحكومة ضمن الأطر الدستورية. هذه ليست مسألة تفسير، بل جوهر فكرة الدولة نفسها. وعندما يُوجَّه كلام سياسي استراتيجي إلى المؤسسة العسكرية بدلًا من السلطة التنفيذية، فإن المعنى الضمني واضح: تجاوز الحكومة والتعامل مع الجيش كأنه مركز القرار، وهو ما يشكّل مسًّا مباشرًا بمفهوم السيادة.
فالسيادة لا تُقاس فقط برفع الشعارات أو برفض الاحتلال، بل تُقاس أولًا باحترام التسلسل الدستوري داخل الدولة. وأي خطاب خارجي يتجاوز الحكومة ويخاطب المؤسسة العسكرية كمرجعية سياسية، هو اعتراف ضمني بأن القرار ليس في مكانه الطبيعي. وهنا مكمن الخطر، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة ضعيفة هو أن يعتاد الخارج على مخاطبة مؤسساتها خارج أطرها الشرعية، إلّا إذا كانت الحكومة نفسها تفسح المجال أمام هذا النوع من التجاوزات، ما يفرض عليها مسؤولية الرد على كلام غراهام، الذي سبق أن أدلى بتصريحات مشابهة خلال زيارات سابقة للبنان.
لقد بقي الجيش اللبناني صامدًا في وجه كل العواصف، وهذا ما تعرفه الإدارة الأميركية جيدًا. ورغم الانهيار الشامل الذي تشهده البلاد، لا تزال المؤسسة العسكرية تحظى بحدٍّ أدنى من الإجماع الوطني. قوتها لا تكمن في سلاحها فقط، بل في كونها مؤسسة تنفيذية لا سياسية. وزجّها في متاهات الرسائل الدولية أو تحميلها أبعادًا سياسية لا تخصّها، يشكّل ضربًا للتوازن الدقيق الذي حافظ على تماسكها. فلبنان لا يحتمل تحويل جيشه إلى منصة تفاوض غير مباشر بين العواصم.
وإذا كانت لدى واشنطن مطالب أو ملاحظات أو شروط، فمكانها الطبيعي هو الحكومة اللبنانية بصفتها صاحبة القرار السياسي. أمّا توجيه الرسائل إلى قائد الجيش، فهو عمليًا وضع المؤسسة العسكرية في موقع لا تريده ولا يجب أن تكون فيه. وهذا لا يُعد دعمًا للجيش، بل إحراجًا له وضغطًا عليه، ومحاولة لاستخدام رمزيته الوطنية كوسيط سياسي.
الاستياء اللبناني مفهوم، لأنه دفاع غريزي عن فكرة الدولة قبل أن يكون دفاعًا عن شخص أو موقع. فالدولة لا تُختزل بمؤسسة أمنية مهما كانت محترمة، بل تُختزل بحكومتها، وبقرارها السياسي، وبقدرتها على مخاطبة الخارج من موقع الندّية. وكل مرة يتم فيها تجاوز هذا المبدأ، ولو تحت عنوان الصداقة أو الدعم، يُقتطع جزء إضافي من السيادة، وقد تتحمّل الحكومة نفسها جزءًا من مسؤولية تعاطي الخارج مع لبنان على قاعدة أن “حيطه واطي”.
المفارقة أن لبنان، في هذه المرحلة تحديدًا، أحوج ما يكون إلى إعادة تثبيت مرجعيته السياسية، لا إلى تكريس أعراف موازية. المطلوب تحصين الجيش ضمن دوره الطبيعي، لا تضخيمه سياسيًا على حساب الحكومة، لأن الدول لا تُبنى عندما تحلّ المؤسسات الأمنية مكان السلطة السياسية، بل عندما تعمل كل مؤسسة ضمن حدودها.
ما قاله غراهام جاء في غير عنوانه. العنوان الصحيح كان يجب أن يكون السراي الحكومي لا اليرزة. وأي قراءة سيادية هادئة لما حصل تقود إلى خلاصة واحدة: احترام لبنان يبدأ باحترام مؤسساته الدستورية، لا باختيار المؤسسات التي تناسب الرسائل السياسية. فالحكومة تُحترم عندما تُخاطَب كمسؤولية فعلية عن البلاد والعباد، لا من منطلق سياسة “المختار والناطور”.
ويبدو أن السيناتور غراهام أخطأ العنوان… وربما “النمرة”، وهو بالكاد يميّز بين السراي الحكومي